أحمد بن يحيى العمري
43
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
بيتا للأصنام ، فرأى خادما للأصنام فيه ، قد حلق رأسه ولحيته ، ولبس ثيابا أرجوانية « 1 » ، فقال شقيق للخادم : إن لك صانعا ، حيا ، عالما ، قادرا ، فاعبده ولا تعبد هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ! ! . فقال : إن كان كما تقول ، فهو قادر على أن يرزقك ببلدك ، فلم تعنّيت إلى ههنا للتجارة ؟ « 2 » فانتبه شقيق ، وأخذ في طريق الزهد بعد التوبة . وقال : " احذر أن لا تهلك بالدّنيا . ولا تهتم ! فإن رزقك لا يعطى لأحد سواك " . وقال : " التوكل أن يطمئن قلبك بموعود الله " . وقال : " تعرف تقوى الرجل في ثلاثة أشياء : في أخذه ، ومنعه ، وكلامه " . وقال : " الفقير هو الذي يخشى الغنى ، ويغتنم الفقر " . وقال : " عملت في القرآن عشرين سنة ، حتى ميّزت الدنيا من الآخرة ، فأصبته في حرفين ، وهو قول الله تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها « 3 » وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى « 4 » . وقال : " الزاهد الذي يقيم زهده بفعله ، والمتزهّد الذي يقيم زهده بلسانه " . وقال : " إن حفظ الفقر أن ترى الفقر منّة من الله عليك ، حيث لم يضمّنك رزق غيرك ، ولم ينقصك مما قسم لك " . وقال : " ليس شيء أحبّ إليّ من الضيف ، لأن رزقه ومؤونته على الله ، ولي الأجر . " « 5 »
--> ( 1 ) أي مصبوغة بالأرجوان ، وهو صبغ أحمر شديد الحمرة . ( 2 ) حلية الأولياء 8 / 59 ، تهذيب تاريخ دمشق 6 / 330 ، الرسالة القشيرية 13 ، صفة الصفوة 4 / 159 ، وفيات الأعيان 2 / 476 . ( 3 ) سورة الشورى - الآية 46 . ( 4 ) سورة القصص - الآية 60 ، وسورة الشورى - الآية / 36 . ( 5 ) حلية الأولياء 8 / 71 ، طبقات الصوفية للسلمي 65 رقم 21 ، طبقات الأولياء لابن الملقّن 14 .